مرتضى الزبيدي
353
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
هالكا ، بل يكون خوفك على نفسك بما علم اللّه من خفايا ذنوبك أكثر من خوفك عليه مع الجهل بالخاتمة ، وأعرفك ذلك بمثال لتعلم انه ليس من ضرورة الغضب للّه أن تتكبر على المغضوب عليه وترى قدرك فوق قدره . فأقول : إذا كان للملك غلام وولد هو قرّة عينه ، وقد وكل الغلام بالولد ليراقبه ، وأمره أن يضربه مهما أساء أدبه واشتغل بما لا يليق به ، ويغضب عليه . فإن كان الغلام محبا مطيعا لمولاه فلا يجد بدا من أن يغضب مهما رأى ولده قد أساء الأدب ، وإنما يغضب عليه لمولاه ولأنه أمره به ، ولأنه يريد التقرب بامتثال أمره إليه ، ولأنه جرى من ولده ما يكره مولاه ، فيضرب ولده ويغضب عليه من غير تكبر عليه بل هو متواضع له يرى قدره عند مولاه فوق قدر نفسه ، لأن الولد أعز لا محالة من الغلام . فإذن ليس من ضرورة الغضب التكبر وعدم التواضع ؟ فكذلك يمكنك أن تنظر إلى المبتدع والفاسق وتظن أنه ربما كان قدرهما في الآخرة عند اللّه أعظم ، لما سبق لهما من الحسنى في الأزل ، ولما سبق لك من سوء القضاء في الأزل وأنت غافل عنه ، ومع ذلك فتغضب بحكم الأمر محبة لمولاك إذ جرى ما يكرهه مع التواضع لمن يجوز أن يكون عنده أقرب منك في الآخرة . فهكذا يكون بغض العلماء الأكياس فينضم إليه الخوف والتواضع . وأما المغرور فإنه يتكبر ويرجو لنفسه أكثر مما